واصلت أسعار الذهب تسجيل مكاسب أسبوعية لافتة في الأسواق العالمية، مدفوعة بتزايد حالة عدم اليقين الاقتصادي على المستوى الدولي، واستمرار التوترات الجيوسياسية. وعكست تحركات الذهب خلال الأسبوع الماضي تحولًا واضحًا في سلوك المستثمرين، حيث اتجهت شريحة متزايدة منهم إلى الأصول الآمنة، في ظل ضبابية المشهد الاقتصادي العالمي، وتقلب التوقعات المرتبطة بمسار السياسة النقدية الأمريكية، وتراجع شهية المخاطرة في أسواق المال، خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية وتباطؤ بعض مؤشرات النمو.
عوامل رئيسية تقود صعود أسعار الذهب عالميًا
قال سعيد إمبابي، خبير أسواق الذهب، إن المكاسب التي حققها الذهب جاءت نتيجة تداخل عدة عوامل رئيسية، أبرزها تصاعد المخاطر الجيوسياسية، واستمرار الضغوط الاقتصادية العالمية، إلى جانب الرهانات المتزايدة على استمرار الاحتياطي الفيدرالي في خفض أسعار الفائدة، وهو ما يقلص تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا دوريًا، ويعزز من جاذبيته الاستثمارية.
وأشار إمبابي إلى أن أداء الذهب منذ بداية العام يُعد من الأقوى تاريخيًا، حيث سجل المعدن النفيس واحدًا من أفضل أداءاته السنوية منذ عقود، محققًا عددًا كبيرًا من المستويات القياسية الجديدة، في دلالة واضحة على اتساع موجة الإقبال الاستثماري عليه عالميًا، سواء من جانب المستثمرين الأفراد أو المؤسسات المالية الكبرى والبنوك المركزية.
ورغم هذا الأداء القوي، أوضح التقرير أن الذهب لا يزال يسجل أداءً أقل نسبيًا مقارنة بالفضة من حيث وتيرة الصعود السنوية، إذ حققت الفضة مكاسب استثنائية خلال العام الجاري، مدفوعة بارتفاع الطلب الصناعي والاستثماري، ورغم تراجعها عن ذروتها الأخيرة، فإنها لا تزال تتداول عند مستويات تاريخية غير مسبوقة تعكس قوة الزخم في سوق المعادن النفيسة.
الذهب بين رهانات خفض الفائدة وتراجع شهية المخاطرة
يرى الخبير أن توجه الاحتياطي الفيدرالي نحو خفض أسعار الفائدة، حتى في ظل استمرار الضغوط التضخمية، سيظل عامل دعم رئيسيًا لأسعار الذهب خلال المرحلة المقبلة، في ظل تراجع العوائد الحقيقية، وتقليص تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن النفيس، وهو ما يعزز من مكانته كأداة تحوط فعّالة في مواجهة التقلبات الاقتصادية.
وفي المقابل، تشير التقديرات إلى أن حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي قد تُلقي بظلالها على معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال العام المقبل، ورغم التوقعات باستمرار دعم اقتصاد الذكاء الاصطناعي لأسواق الأسهم حتى عام 2026، فإن تصاعد المخاطر يدفع المستثمرين إلى إعادة هيكلة محافظهم الاستثمارية وتعزيز مراكزهم في الذهب كأداة رئيسية لتنويع المخاطر وتقليل التعرض للصدمات.
ورغم الطلب القوي وغير المسبوق على الذهب خلال العام الجاري، لا تزال حيازاته تمثل نسبة محدودة من إجمالي الأصول المالية العالمية، وهو ما يفتح المجال أمام تدفقات استثمارية إضافية مستقبلًا، في حال اتسعت موجة التحول نحو الأصول الآمنة مع استمرار الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية.
وتوقع الخبير استمرار الاتجاه الصعودي لأسعار الذهب خلال العام المقبل، مع ترجيحات بتحقيق مستويات قياسية جديدة، خاصة في حال تسارع خفض أسعار الفائدة، واستمرار مشتريات البنوك المركزية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية على الساحة الدولية.
قد يهمك أيضًا: بوادر انقسام داخل الفيدرالي.. هل تؤثر على قرار الفائدة المنتظر؟
هل يواصل الاحتياطي الفيدرالي خفض أسعار الفائدة؟
تواصل أسعار الذهب تلقي الدعم من الغموض المحيط بمسار السياسة النقدية الأمريكية وضعف بعض البيانات الاقتصادية، رغم صدور تصريحات متباينة من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، حيث عبّر بعض الأعضاء عن قلقهم من استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، لا سيما في ظل محدودية البيانات المتاحة، وعلى رأسها مؤشرات أسعار المستهلكين.
كما عززت بيانات سوق العمل الأمريكية، التي جاءت أضعف من التوقعات، هذا الاتجاه بعد ارتفاع طلبات إعانة البطالة، في حين أشار رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول إلى أن بعض البيانات قد تكون \”مضللة\” نتيجة إغلاق الحكومة الأمريكية، ما زاد من حالة الترقب وعدم اليقين في الأسواق العالمية.
الذهب في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية
على الصعيد الجيوسياسي، لا تزال محادثات السلام بين روسيا وأوكرانيا متعثرة، وسط تصاعد الإحباط الأمريكي من بطء المفاوضات وعدم تحقيق تقدم ملموس في المسار السياسي، وهو ما يدعم استمرار الطلب على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات التوتر وعدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، أكد بنك جولدمان ساكس أن آفاق الذهب لا تزال إيجابية على المدى المتوسط والطويل، مدفوعة بزيادة توجه المستثمرين لرفع مخصصاتهم من المعدن النفيس، وانخفاض مستويات التمركز الحالية، واتساع اتجاهات التنويع الاستثماري عالميًا.
وأوضح محللو البنك أن السوق العالمية للذهب لا تزال صغيرة نسبيًا مقارنة بأسواق الأصول الأخرى، ما يجعلها أكثر حساسية لأي تحولات في التدفقات الاستثمارية، معتبرين الذهب أحد أفضل الخيارات الاستثمارية طويلة الأجل في قطاع السلع، في ظل بيئة عالمية تتسم بتصاعد المخاطر وتآكل اليقين الاقتصادي.
قواعد الاستثمار الرشيد في الذهب
من جانبه، قال أسامة زرعي، خبير أسواق الذهب، إن التطورات الأخيرة في أسعار الذهب عالميًا تعكس مرحلة مفصلية في العلاقة بين الذهب والدولار، مشيرًا إلى أن ما تشهده الأسواق حاليًا يؤكد صحة التحليلات التي تحدثت عن بدء الذهب في استعادة مساره الصعودي تدريجيًا، مقابل تراجع نسبي في قوة الدولار، وهي معادلة بدأت ملامحها تتضح بصورة أكبر خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح زرعي أن كثيرًا من المستثمرين لا يزالون يقعون في خطأ شائع عند التعامل مع الذهب، وهو النظر إليه كأداة لتحقيق أرباح سريعة، مؤكدًا أن الذهب بطبيعته ليس استثمارًا ربحيًا قصير الأجل، وإنما أداة للحفاظ على القيمة والقوة الشرائية للنقود في مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار. وأضاف أن فلسفة الاستثمار في الذهب تقوم أساسًا على حماية رأس المال من التآكل، وليس مضاعفته في فترات زمنية قصيرة.
وأشار خبير أسواق الذهب إلى أن الاستثمار الصحيح في الذهب يجب أن يكون طويل الأجل، موضحًا أن الاحتفاظ بالذهب لفترات ممتدة يضمن للمستثمر الحفاظ على قدرته الشرائية، حتى وإن بدا ظاهريًا أن قيمة الأموال ارتفعت، فالحقيقة أن هذه الزيادة تعكس في جوهرها أثر التضخم، وليس تحقيق أرباح حقيقية بالمعنى التقليدي.
مستقبل أسعار الذهب والدولار حتى 2026
حول المستويات القياسية التي سجلها الذهب مؤخرًا، أوضح زرعي أن المعدن النفيس نجح خلال فترة قصيرة في تسجيل قمم سعرية جديدة في البورصات العالمية، وهو ما يعكس قوة الاتجاه الصعودي، مع الأخذ في الاعتبار الطبيعة المتغيرة للأسواق العالمية. كما أكد أن هذه القفزات السعرية ترتبط بعدة عوامل رئيسية، في مقدمتها السياسات النقدية الأمريكية، وتراجع عوائد السندات، والضغوط المتزايدة على الدولار، إلى جانب تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
وأضاف أن التوقعات المتعلقة بمستقبل الاقتصاد الأمريكي، واحتمالات لجوء الاحتياطي الفيدرالي إلى خفض جديد لأسعار الفائدة خلال عام 2026، تمثل عامل دعم إضافيًا لأسعار الذهب، مشيرًا إلى أن الدولار يظل العامل الأكثر تأثيرًا في حركة الذهب، وكلما تراجعت قوته، زادت فرص صعود المعدن النفيس.
بشأن مستقبل الدولار خلال عام 2026، شدد الخبير على ضرورة التفريق بين مفهومي \”التراجع\” و\”الانهيار\” ، مؤكدًا أن الحديث عن انهيار الدولار أو استبداله بعملة دولية أخرى غير دقيق، مؤكدًا أن الدولار سيظل العملة المهيمنة على النظام المالي العالمي، بحكم دوره المركزي في التجارة الدولية، رغم أي محاولات من بعض التكتلات الاقتصادية للبحث عن بدائل جزئية.
واختتم زرعي تصريحاته بالتأكيد على أن التوقعات الخاصة بعام 2026 تشير إلى تراجعات محدودة في قوة الدولار على المستوى العالمي دون المساس بمكانته الأساسية، وهو ما يمنح الذهب مساحة إضافية للحركة الصعودية، في ظل استمرار التحولات العالمية في تدفقات رؤوس الأموال لصالح الأصول الآمنة.
اقرأ أيضًا: كيف أعاد قرار خفض الفائدة تشكيل مسار الذهب وأسواق المال؟








